محمد متولي الشعراوي
4349
تفسير الشعراوى
تخلقها العادة ، ولذلك فمن يريد أن يقبل على منهج اللّه فعليه أن يعرف أن المنهج سوف يخرجه مما ألف ، ولا بد له أن يقبل على المنهج بقوة وعزم ليواجه إلف النفس ، لأن إلف النفس قد يقول للإنسان : لا تفعل ، والمنهج يقول له : « افعل » وعلى المؤمن - إذن - أن يأخذ التكاليف بقوة ، لأن شهوات النفس تحقق متع الدنيا الزائلة ، والمنهج يعطى متعة طويلة الأجل . إن الشهوة قد تحقق للإنسان لذة على مقدار قدرته واستعداده ، لكن التكليف يعطى للمؤمن نفعا يتناسب مع طلاقة قدرة اللّه في النفع . إذن لا بد أن تشحن نفسك بما يعطيه اللّه لك من المنهج ، وإياك ساعة أن ترى المنهج مطالبا لك ببعض من الجهد أن تقول : إن تلك أمور صعبة لأنك لست وحدك في المنهج ، بل معك غيرك . فإذا قال لك : لا تسرق ، إياك أن تقول : أيحدد المنهج حريتى ؟ لا ، لا تنظر إلى أن حظر وتحريم السرقة هو تحديد لحريتك بل هو صيانة لك من أن يعتدى عليك آخرون ؛ فقد قال المنهج للناس كلهم لا تسرقوا منه وأنت الكاسب في هذه الحالة . ويتابع الحق بيان ما في الألواح من قيم فيقول سبحانه : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها . « أحسن » تفيد أن هناك مرتبة أقل منها وهي « حسن » ؛ فأمرهم الحق أن يتركوا الحسن ويأخذوا بالأحسن ، ونعلم أن الإنسان من الأغيار ، إذا ما أصابته مصيبة من أحد يعتبره غريما له ، فإذا ما كان للإنسان غريم تحركت نوازع نفسه إلى عقابه بمثل ما أصابه به . وهذا ما يبيحه اللّه في القصاص ، ولكن اللّه يطلب من المؤمن إن قدر على نفسه أن يعفو ، إذن فالعقوبة بالقصاص أو بغيره ما دامت مشروعة من اللّه بمثل ما عوقبت فهذه مرتبة الحسن ، لكن إذا تركت نوازع نفسك وعفوت فهذه مرتبة « الأحسن » ، وجاءت هذه الترقيات لأن الحق سبحانه وتعالى خلق في الإنسان عواطف وغرائز ، وللعواطف والغرائز مهمة في حركة الحياة ، ولكن العواطف لا يمكن أن يسيطر عليها الإنسان ، ولذلك لا يقنن اللّه للعاطفة ولكنه سبحانه يقنن للغرائز . كيف ؟ . نحن نعلم أن « حب الطعام » غريزة ، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره . وأيضا « بقاء النوع » أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل